النووي

580

تهذيب الأسماء واللغات

فنرى أن أصل الحديث : « ما بين عير إلى أحد » ، وقال الحازمي : الرواية الصحيحة : « ما بين عير إلى أحد » ، وقيل : « إلى ثور » وليس بشيء ، وثبت في « الصحيحين » « 1 » من روايات جماعة من الصحابة رفعوه : « ما بين لابتيها حرام » ، وفي مسلم ( 1374 ) : « ما بين مأزميها » واللابة والمأزم : معروفان ، مذكوران في هذا الكتاب في موضعهما . قال الماوردي : واختلف الناس في مكة وما حولها : هل صارت حرما وأمنا بسؤال إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، أم كانت قبله كذلك ؟ على قولين ، أحدهما : لم تزل حرما آمنا من الجبابرة ومن الخسوف والزلازل ، وإنما سأل إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ربه سبحانه وتعالى أن يجعله آمنا من الجدب والقحط ، وأن يرزق أهله من كل الثمرات ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ مكة حرّمها اللّه تعالى ، ولم يحرّمها الناس » رواه البخاري في « صحيحه » ( 104 ) من رواية أبي شريح ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة : « فإنّ هذا بلد حرّمه اللّه تعالى يوم خلق السماوات والأرض ، وهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحلّ القتال [ فيه ] لأحد قبلي ، وإنه لم يحلّ [ لي ] إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة » رواه البخاري في « صحيحه » ( 1834 ) في كتاب الحج بهذا اللفظ من رواية ابن عباس رضي اللّه عنهما ، والقول الثاني : إن تحريمها كان بسؤال إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانت قبله حلالا لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن إبراهيم حرّم مكّة ، وإني حرّمت المدينة » رواه البخاري ( 2129 ) ومسلم ( 1360 ) في « صحيحيهما » من رواية أبي هريرة رضي اللّه عنه « 2 » . قال الماوردي : والذي يختص به حرم مكة من الأحكام التي تخالف سائر البلاد خمسة أحكام : أحدها : أن لا يدخلها أحد إلا بإحرام حج أو عمرة . والثاني : ألا يحارب أهلها ، فإن بغوا على أهل العدل ، فقد ذهب بعضهم إلى تحريم قتالهم ، ويضيّق عليهم حتى يرجعوا عن البغي ، ويدخلوا في أحكام أهل العدل ، والذي عليه أكثر الفقهاء : أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يكن ردهم عن البغي إلا بالقتال ؛ لأن قتال أهل البغي من حقوق اللّه تعالى التي لا تجوز إضاعتها ، ولأن يكون محفوظا في حرم اللّه تعالى أولى من أن يكون مضيّعا فيه . والحكم الثالث : تحريم صيده على المحلّين والمحرمين من أهل الحرم ، وممن طرأ عليه . الحكم الرابع : تحريم قطع شجره . الحكم الخامس : أنه يمنع جميع من خالف دين الإسلام من دخوله ، مقيما كان أو مارّا ، هذا مذهب الشافعي رضي اللّه عنه وأكثر الفقهاء ، وجوّزه أبو حنيفة إذا لم يستوطنوه . هذا آخر كلام الماوردي . وترك من الأحكام التي يتميز بها الحرم : اللقطة ، فإن لقطة الحرم لا تحل إلا لمنشد ، لا للمتملك ، على المذهب الصحيح ، بخلاف غيره ، وترك أيضا : تحريم إخراج أحجاره وترابه منه إلى غيره ، وهو حرام ، وبيانه مشهور في كتب المذهب ، وترك أيضا : إدخال الأحجار والتراب من غيره إليه ، فإنه مكروه ، وترك : اختصاص نحر الهدايا ودماء الحج به ، وترك : وجوب قصده بالنذر ، بخلاف غيره كمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبيت المقدس ، [ على ] أحد القولين فيهما ، وترك أيضا : تغليظ الدّية بالقتل فيه ،

--> ( 1 ) البخاري ( 1873 ) ، ومسلم ( 1372 ) . ( 2 ) بل هو فيهما من رواية عبد اللّه بن زيد الأنصاري .